الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

189

نفحات القرآن

« لؤلؤٌ مكنون » : وصف للخدمة ، فهم في حسنهم وصباحتهم وصفائهم وبياضهم كاللؤلؤ المصون في الصدف ، أو الذي اخرج تواً من الصدف . صحيح أنّ الجنّة - حسب التعابير الواردة في الآيات والروايات - لا تحتاج إلى خدم ، وكل ما يريد أهل الجنّة مهيأ وجاهز ، ولكن هذا يعبّر عن مقدار الاحترام والاكرام المنقطع النظير لأهلها من قبل الخدم . ولو أنّ هذه الآية لم تخبر صراحة ، عن علّة طوافهم ، ولكن الآيات التي بعدها أشارت إلى أنّ مهمتهم تتعلق بخدمة وتضييف أهل الجنّة بأنواع الأشربة والشراب الطهور ، ومختلف الأغذية . التعبير ب ( لهم ) يدل على أنّ لكل واحدٍ من أهل الجنّة خدماً خاصين به ، وقيل : ليس على الغلمان مشقة في خدمة أهل الجنّة بل لهم في ذلك اللذة والسرور إذ ليست تلك الدار دار محنة . وقد نقل الكثير من المفسِّرين هذا الحديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله : قيل يا رسول اللّه الخادم كاللؤلؤ فكيف المخدوم ؟ فقال : « والذي نفسي بيده إنّ فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب » « 1 » . ومن الجدير بالذكر أنّ ( الغلمان ) جمع غلام وتعني في اللغة ( الصبي ) لا العبد « 2 » . ومن البديهي أنّ الأفراد بهذا السن يتمتعون بالنشاط والحيوية والجدية . وذكر القرآن الكريم تعبيراً آخر بخصوص الخدم وهو « ولدان » ، قال تعالى : « يَطُوفُ عَلَيهِمْ وِلدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّنْ مَّعِينٍ » . ( الواقعة / 17 - 18 ) « ولدان » : جمع « وليد » بمعنى ( مولود ) ، وهنا بمعنى ( الغلام ) وما ذهب إليه البعض من كونهم صغار المؤمنين يخدمون آباءهم فهو بعيد « 3 » ، وذلك لأنّهم إن كانوا مؤمنين فهم

--> ( 1 ) . راجع تفاسير مجمع البيان ؛ روح الجنان ؛ روح البيان ؛ القرطبي ؛ والكشاف ذيل الآية مورد البحث . ( 2 ) . لقد كتب الكثير من أرباب اللغة في تفسيرها « الغلام هو الطار الشارب » ( مقاييس اللغة ، المفردات ، لسان العرب ) . ( 3 ) . تفسير الكبير ، ج 29 ، ص 149 ذكر هذا الاحتمال في تفسيره واستبعده .